ذلك الدين القيم

كتبهاد. منذر زيتون ، في 9 حزيران 2008 الساعة: 07:43 ص

تهميش القيم وتدميرها

   بالرغم من أن القيم تتعرض على مر الوقت لكثير من أسباب التغيير والتهميش والتآكل نتيجة إما لجهد خارجي يتخذ صورة عداء أو تحضير لعداء، وإما لجهد داخلي يتجلى في فتور التمسك بها أو دعوات المغرضين للتخلي عنها، إلا أننا نستطيع أن نقول إن القيم تشهد في الوقت الحاضر المجابهة الأشد، بل إنها تقع الآن في مركز الخطر، وهذا أمر جلل يستدعي شدة الانتباه وكثير الحرص والعمل ولا أدل على صحة ذلك من الحوادث والمشاهدات التي نعايشها صباح مساء والتي تنذر كلها بغياب القيم وانعدامها أو بضعفها في نفوسنا في أحسن الأحوال.

    مكمن الخطر يتجلى في أن القيم تمثل من جانبٍٍ أركان المجتمع نفسه، ومعلوم أن الشيء لا يوجد إلا بأركانه، وأعني هنا الوجود المعنوي لا المادي، ومن جانب آخر تمثل القيم المعيار الصحيح، فالقيم هي الاستقامة بعينها كما يقول علماء اللغة.

    أقوى الأسباب التي تجابه القيم وثبوتها هو التميع في التعامل مع الدين كمرجع أساس للحياة ومن فيها، هذا فضلاً عن محاولات التخلي عن معيار الدين نهائياً أحياناً واستبداله بمعايير شتى كلها لا تعطي إلا نتائج متضاربة متناقضة مهشمة أمام الدين، وأعتقد أنه آن الأوان ونحن في زمن تحول القيم إن لم يكن تدميرها بالكلية أن نعلي أصواتنا بالتحذير، سيما وأن القيم بالنسبة للفرد والمجتمع المسلم تعني الوجود نفسه، فلا نقبل وجود مجتمع إسلامي بلا دين ولا نقبل بفرد مسلم من غير ذات، آن الأوان لأن نقول وبصوت جهوري كفى تمييع الدين، وكفى تسطيحه، وكفى التظاهر ببعض مظاهره كمن يتجمل لوقت محدود أو أمام أناس معينين فقط ثم يعود لحقيقته البشعة، صرنا نشهد كلاماً عن الدين ليس إلا للدعاية والإعلان، ولكنه جفاء كجفاء السيل لا يغني ولا يسمن، لا بد من إعادة الدين إلى واجهة الحياة وتحكيمه في كل شؤوننا…

    إلى هنا.. يكفي الحديث عن فصل الدين عن الدولة، ويكفي الحديث عن أن الشريعة هي المرجع الأول للدساتير من غير تحكيمها فعلياً، وتكفي الدعوات إلى حصر الدين في المساجد، وتكفي مهازل استباحة المحرمات والكبائر بصفة خاصة تحت عنوان تجشيع السياحة وإظهار الكرم للأجنبي، ويكفي تبجيل المساعدات الخارجية والاعتماد عليها، ويكفي زج أبنائنا في مزالق النظريات التربوية الفاشلة، وتكفي دعوات الحرية غير المسؤولة.. يجب اعتبار أن كل ما يخالف الدين ممنوع منبوذ، وأنه لا اعتبار برضى عبد مع سخط الله تعالى..

    لن يحافظ على القيم مثل الدين، كيف وهو منبع القيم وحاميها، وأمة بلا دين أمة بلا قيم، لأن القيم كما نرى متغيرة متبدلة إن لم تجد ما يثبتها، وها نحن نرى القيم الغربية كيف تدرجت حتى وصلت إلى اللاوجود، على سبيل المثال: الغرب الآن يبيح زواج المثليين ويعطيهم حقوقاً ويفتح لهم نواد ويرخص لهم محطات إعلامية بل ويغير مفهوم الأسرة لتصبح ليس ارتباط رجل وامرأة برباط مقدس وإنما أصبحت تعني عندهم عيش لاثنين في بيت واحد، مع أنهم كانوا لعهد قريب يرون فيهم صورة الشذوذ المقيت، الإنسان إذا تخلى عن دينه تخلى عن قيمه، وما زلنا مع مثال الغرب، الآن بعد أن تخلى الغربيون عن دينهم وحصروه في تمثال الصليب الذي يعلقونه في رقابهم وآذانهم وسياراتهم تخلوا عن أخلاقهم ووجودهم، فأصبحوا بلا مرجعية وأيضاً يعلنون معاناتهم من نقص أعدادهم ويفتحون أبوابهم للمهاجرين ليخدموا عواجيزهم.

    الغرب الآن يطالب العالم بإعطاء أبنائه حقوقهم كاملة ويغضب إن مس أحد منهم بأذى لكنه في نفس الوقت يسمح لنفسه باستباحة أمن الآخرين وحقوقهم، ويسمح لنفسه أن يحتل ويعبث ويدمر ويقتل بلا هوادة ولا رحمة لمجرد أطماع مادية له عند الغير، الغرب الآن يعري كل شيء، كل شيء مكشوف وكل شيء معروض، لا حماية ولا احترام ولا حدود، تداخلت كل الأمور، وأصبح الواحد فيهم كهوام الأرض يسعى إلى لا شيء..

    نحن الآن نتعرض إلى مثل ذلك التدمير، وللأسف بعضنا يزمر ويطبل ولا يعرف لأي شيء يفعل ذلك، إنه يجرنا جميعاً إلى الهاوية، فإن لم نأخذ على يده غرق وأغرقنا..

    أي ترميم للقيم من غير وجود الدين سوف يبقى ناقصاً بل وخاطئاً، وأي خطة لحمايتها ستكون عاجزة في ظل تحييد الدين، ولذلك لا بد من تقييم الحالة الراهنة بكل معطياتها وتشكيلاتها وفق الدين الحنيف الذي يضمن ترميماً سريعاً لأي خلل وجبراً تاماً لأن نقص على شرط تطبيقه كله وأخذه كله من غير حذف ولا استثناء، فالدين نظام والنظام لا يعطي نظاماً إلا بتطبيقه كله، لا بد من بناء المجتمع على أسس العدالة الاجتماعية، والكرامة، والمساواة في الحقوق والواجبات والفرص من غير تمييز أو تحيز أو محاباة، ولا بد من تمكين الأفراد من فرص العيش والأمن وتوفير جل احتياجاتهم، فالله تعالى طالب بني إسرائيل بتمام عبادته بعد أن حقق لهم ذلك فقال (وليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف) فالجائع والخائف لن يفيدا أحداً شيئاً حتى ولا نفسيهما بل وسيفكرا بكل شيء سيء يدفع عنهما نقصهما وضعفهما، ولا بد من نبذ العصبية المنتنة التي حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم بكل أشكالها وإن كان المقصود منها شيء في النفس، لأن العصبية تدمير لقوى المجتمع، وإغفال عن جهد المخلصين وانتصار للفوضى الخالية من الأسس.

    وفي هذا السياق ومن جانب آخر لا بد من التحذير من خطر الأجنبي المموه، تحت مسمياته المتعددة، وتحت شعاراته الكثيرة المبهرة، لا أحد في هذا العالم يقدم شيئاً بلا مقابل، ولا شيء ممن لا يعرف لله، علينا أن ننخل تلك العلاقة بما لا يضرنا، والقاعدة الشرعية تقول: درء المفاسد أولى من جلب المصالح، كثير من الهبات والمساعدات تكون مقابل التخلي عن قيمة أو جانب من قيمة، وفي النهاية هجوم صارخ على القيم.

    وأيضاً لا بد من تعليم الناس طرق العلاقة السليمة مع الله، فالله هو الخالق المتكفل بعباده، والبعد عن الله تعالى جزاؤه التخبط الذي نرى وقد قال الله تعالى نفسه في كتابه الكريم يحذر من ذلك فقال (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكى) أليست هذه التي نحيا معيشة ضنكى؟!

    لا بد الآن من منح ديننا فرصة إعادة تصويب الأوضاع وترميم القيم، بإخلاص ومحبة، من غير خوف أو جهالة أو حقد أو حكم مسبق..

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أحوال الناس | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “ذلك الدين القيم”

  1. “لا بد الآن من منح ديننا فرصة إعادة تصويب الأوضاع وترميم القيم، بإخلاص ومحبة، من غير خوف أو جهالة أو حقد أو حكم مسبق.. ”

    خاتمه الحديث يجب ان تكون غاية نتعلم ونتدرب للايصالها للكون

    بارك الله فيك وجزاك خيرا



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر
مجهول