عندما يصبح الاكتئاب النفسي أمراً من مفردات الحياة

كتبهاد. منذر زيتون ، في 28 نيسان 2009 الساعة: 09:01 ص

 

الأردنيون مكتئبون نفسياً.. لماذا؟!!
 
الإعلان عن ارتفاع نسبة المكتئبين نفسياً في الأردن لتبلغ حوالي 20% من مجمل السكان أمر متوقع، وليس من التشاؤم توقع زيادة تلك النسبة كثيراً في الأيام المقبلة، نظراً لازدياد المعطيات المسببة لذلك، خصوصاً مع الظروف السياسية والاقتصادية المتأزمة التي تطغى على الأفق في الوقت الحاضر.
بعيداً عن العوامل العضوية التي تسبب الاكتئاب بنسبة قد تكون ضئيلة، فأعتقد أن العوامل البيئية المعايشة للناس هي التي تتسبب بإصابتهم بذلك المرض بشكل أكبر.. ولعل في مقدمة تلك العوامل عجز كثير من المواطنين عن توفير أساسيات الحياة الكريمة لأنفسهم ولعائلاتهم، وهو ما يحييهم وسط قلق طاغ يصبحون فيه أسرى التفكير في كيفية الحصول على تلك الأساسيات، ويضفي عليهم شعوراً متزايداً بالنقص والحرمان خصوصاً مع شعورهم بغياب العدالة الاجتماعية بسبب التمييز، والواسطة والمحسوبية، وعدم تساوي الفرص التي تتاح لغيرهم أكثر مما تتاح لهم.. بالإضافة إلى بيروقراطية إجراء المعاملات سيما في بعض الدوائر الحكومية التي تستلب كثيراً من وقت المراجعين وجهدهم ومالهم، وأيضاً أشير إلى تأثير نقص الخدمات المقدمة للمواطنين على استقرارهم النفسي خصوصاً مثلاً في قطاع المواصلات، فانتقال شخص لا يملك سيارة خاصة من مكان إلى مكان يعتبر المغامرة الأطول والأشق في يومه نظراً لطول مدة انتظاره لوسيلة من وسائل المواصلات وظروف تلك الوسيلة وما تتقاضاه من أجر عالٍ..
هذا كله إلى جانب ما يشعر به الناس يومياً بل ولحظياً من الغضب والسخط على ما تواجهه الأمة من العداوات والاستخفاف والهوان من قبل أعدائها، وما أحوال فلسطين وتعرض الأقصى لخطر الإنهدام وحصار غزة وما يجري في العراق عنا ببعيد.. فنحن كأمة واحدة لا نستطيع أن نغفل عما يجده إخواننا في مناطق كثيرة من العالم من الظلم، إننا ننظر إليهم نظرات أسى وحسرة ولا نستطيع أن نقدم لهم ما يعوزونه من النصرة والمدافعة، ونكتفي فقط بمتابعة نشرات الأخبار التي تتحدث عنهم لكن مع مزيد من الكبت والضغوط.
وأرى أن أخطر أنواع الأكتئاب ذاك الذي يصبح جزءاً من طبيعة الشخص وشخصيته بحيث يكون وكأنه قريناً له في حياته.. يعايشه كقدر محتوم عليه، وهو ما من شأنه أن يقود صاحبه إلى اللأبالية والرضا بالدونية، ويمتد معه حتى الاستسلام والتقاعس عن التغيير.. وهو ما يفقد الإنسان جوهره، لأن الإنسان وخاصة المسلم مأمور بمواجهة الظروف لا الاستسلام لها، ومأمور بالتغيير لا الانقياد والتبعية..
إذاً لا بد للعاقل أن يواجه تلك الأحوال النفسية الضاغطة لا أن يهرب منها، ولعل أول المواجهات تلك التي تكون مع النفس، وتحقق أولاً بالقناعة بالأشياء المتوافرة دون التمني والحسرة، فالقناعة كنز، والله تعالى يقول (ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض)، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم "من أصبح آمناً في سربه معافى في بدنه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا" في إشارة إلى القناعة والرضا، والصحيح أن هذا لا يلغي حق الإنسان بالعمل والسعي لتحصيل مزيد من المكتسبات، لكن مع التسليم والرضا عند عدم المقدرة.
ومما يساعد أيضاً في التخفيف من حدة الضغوطات النفسية البناء الديني للنفس، بعيداً عن الاستغراق بالماديات، ما نشهده اليوم من طغيان الأمور المادية بأشكالها وألوانها وأنواعها جعل الناس يلهثون وراءها، كل يوم يجدون شيئاً جديداً ويحاولون جاهدين حيازته أو اقتناءه لكن هيهات، الأمر صعب جداً ومجاراته تتطلب كثيراً من المال والفكر والوقت، والأفضل عدم اللهاث وراء ذلك والاكتفاء بالمتيسر اللازم، والتوجه إلى ناحية الروح، فكما للحياة متطلباتها المادية فإن للنفس متطلباتها، وكما أن للجسد غذاءه فإن للروح غذاءها، وسيشعر كل من يغذي روحه بالعلم، والفكر، والعبادة، وقراءة القرآن، ومخالطة الأصدقاء، والتقرب للأحباء بنوع من الاطمئنان والقدرة على مواجهة التحديات، يقول النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك مثلاً " ثلاث من كن فيه وجد حلاوةالإيمان: أن يكون الله و رسوله أحب اليه مما سواهما وان يحب المرء لا يحبه إلالله و أن يكره أن يعود في الكفر كما يكره ان يقذف في النار".
من ناحية أخرى فإن الإنسان مطالب بأن لا يقف عند حدود نفسه بل يهتم بأمور غيره، من أهله إلى جيرانه إلى مجتمعه إلى أمته، وأن يسعى مع هؤلاء كلهم إلى تغيير ما بهم، وهذا واجب عليه، وفي الحديث الشريف "من لم يهتم بأمور المسلمين فليس منهم" وتغيير الأحوال الباعثة على الاكتئاب يكون بتقديم ما يستطيعه لهؤلاء من غير تقاعس، فالحركة مطلوبة بما يستطيع الإنسان وإن كان بالدعاء، أو بالكلمة، أو بالإعانة بما هو مقدور، لكن بعيداً عن الشعور بالعجز والسلبية، وقد قيل قديماً في المثل الشعبي (في الحركة بركة)، فالحركة ستقضي على ذلك الشعور، وستخفف من الاحتقان والغضب.
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أحوال الناس | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر
مجهول