ما أصعب الموت
كتبهاد. منذر زيتون ، في 30 نيسان 2008 الساعة: 13:06 م
حياة
كان الوقت ضحىً، والشمس تتصعد إلى كبد السماء.. تنشر الضحك في يوم صيف جميل.. لم يعلم أن الحياة تخبئ له مفاجأة.. حزناً.. مأساة، ظن أن الحياة لا تعطي غير الجمال.. دخل إلى بيت جده والسرور قد عكس على وجهه صورة الفرح الغامر.. لكن سرعان ما فاجأه حال البيت.. حيَّره ما رأى.. أبواباً مفتحة كأنما تستعد لاستقبال قوافل زوار.. مقاعد كثيرة مرصوفة إلى بعضها كحجارة في جانب الطريق.. لم يبتعد كثيراً عقله الصغير.. تساءل فقط.. أهي دعوة الأحباب للغداء؟ وردَّ صدى باطنه اليقظ: وأي دعوة هذه! أكل هذه المقاعد للغداء؟! لم ينشغل أكثر، فالأمر ليس من اختصاصه.. ماله ومال التفكير بتلكم الأمور.. أياً يكن الأمر فليس من شأنه.. إنه يريد أن يلعب، أن يملأ وقته بالبسمات..
كان طفلاً.. لم يخرج بعد من دائرة الأحلام.. لم يكمل العاشرة من عمره.. نشأ على الحب والحنان.. عاطفته يقظة فوارة.. والله تعالى أرسى في نفسه الطمأنينة.. رغم صغره كان مختلفاً عن أقرانه الأطفال.. كان متعلقاً بحب الإله.. عجباً.. رغم صغره يلبي نداء الصلاة، عندما كان يسمع الآذان كانت نفسه تخضع لخشوع جميل.. الكبار لم يحظوا به.. أما هو فمختلف، كان الناس يرقبونه في ذهابه إلى المسجد كشيخ جليل.. لكنه ما زال طفلاً.. الله هاديه.. هكذا كانوا يقولون..
أراد في ذلك اليوم أن يلهو متناسياً حال البيت المقلوب عجباً.. لكنه لم يستطع.. شعر كأنه مقيداً محبوساً.. بعض مَْن تبقى في البيت كان ساكناً كتلك المقاعد المنتظِرة زوارَها.. ما بالهم؟ في الأمر مفاجأة! لماذا هم واجمون؟ كانت أسئلة كثيرة تثور في داخله لم يلقَ إجابة لها.. التزم الصمت كغيره.. لم يعرف ما عرفوه لكن صمتهم ألزمه فصار مثلهم.. جلس إلى أحد المقاعد المنزوية هادئاً كعجوز مسن.. تذكر كيف ضحك هو ومن معه من الأطفال في صباح هذا اليوم.. ضحكوا كثيراً أثناء مجيئهم إلى البيت.. تلك الحافلة التي أقلتهم كانت كرواية ساخرة.. اهتزت كثيراً أثناء الطريق.. وتعطلت كثيراً.. كانت تجر نفسها كطفل يتعلم المشي.. لم تكن لتقوى على مسايرة غيرها من الحافلات.. وعندما تجاوزت عربةً يجرها حمار انغمس الأطفال في ضحك عميق.. ها.. إنها تقوى على مسابقة الحمير.. إنها حافلة قوية!
عندما عادت مخيلته إلى تلك الأحداث الصباحية الساخرة أراد أن يضحك من جديد.. لكنه تفاجأ بقرب أحدهم إلى جانبه.. كان خاله.. قطع عليه الصمت والتذكار.. جاء إليه بكأس عصير.. قال له بنبرات متثاقلة عطوفة: اشرب ليمناضه.. نظر الطفل إلى الرجل نظرة تملؤها الحيرة.. ظهر الخطاب ودوداً أكثر مما يكون في العادة.. كان وداً يخفي وراءه شيئاً ما.. هكذا بدا.. زاده الأمر توجساً.. ما المناسبة، لماذا هذا العطف الزائد؟ أمسك الطفل بالكأس وشرب.. سأله.. تريد زيادة؟ عاد الطفل إلى حيرته.. الأمر يستحق العجب! لماذا؟ تساءل في نفسه.. لم يتركه قريبه في تلك الحيرة طويلاً.. قطع عليه الصمت والسؤال والتوجس.. قال له.. أبوك.. وسكت هنيهة كأنه أراد أن يجمع قوى صوته الخائر.. ثم أكمل.. أبوك عمل حادث في السيارة على طريق عمان العقبة.. لم يكد الكلام ينتهي حتى غرق الطفل في بكاء شديد.. كان بكاؤه كنزف لا ينقطع.. أغمض عينيه.. لم يستطع أن يرى ساعتها أحد.. لكن خاله أراد أن يخفف المأساة عليه.. فاستدرك: هوَّ كويس.. شغلة بسيطة.. نقلوه إلى المستشفى وسيكون بخير.. عبارات الطمأنينة ومحاولة إشعاره بها كانت كعبث لا يجدي.. كانت أول العبارات تكفي لإحداث انقلاب.. ثورة .. على واقع الطفل الجميل.. كلمة حادث وحدها حطمت جدران الاستقرار في نفسه.. كان وقع الكلمات عليه كقذيفة اخترقت آلاف الحواجز الهشة وما زالت تسعى لتدمر.. لم يكن يتوقع يوماً أن يسقط في مثل هذا الامتحان الرهيب.. شعر كمغدور وقع في حفرة غائرة لفها الظلام.. كان بكاؤه كأنين يزفر به مكلوم في فلاة.. لا يسمعه فيها أحد..
أحب والده حباً عظيماً يوازي صورته العطرة في عينه.. كان يوده أكثر من إخوته.. هكذا كان يشعر هو على الأقل.. فزاده ذلك به تعلقاً.. كانت والدته ترسل معه طعام الغداء إلى والده كل يوم.. يحمله في وعاء.. تضع أمه الزاد والماء المبرد فيه.. ثم تقول له أوصله إلى أبيك.. كان حينها يشعر كرجل يعتمد عليه.. يستقل الحافلة نحو عمل والده.. وينسى تعب المسافة وحمل الوعاء عندما يرى أباه يبتسم لمجيئه.. أحبه قدر الحب الكامن في نفوس العاشقين.. اشتاق إليه كثيراً، لم يره منذ أحد عشر يوماً.. تمنى في تلك اللحظات أن يحضنه.. أن يقبَّل يده الخشنة التي تفوح منها رائحة الرجولة.. كان والده ذا مهابة.. لكن مهابته تنقلب تحناناً له فتمتزج الاثنتان معاً لتصور الأب في أجمل صورة.. لم يرد أن يتخيله مجروحاً أو مغمى عليه.. حتى وإن أدخلوه المستشفى.. والده قوي كما عرفه دائماً.. لكنه لم يكف عن البكاء.. كل محاولات التخفيف عنه فشلت، ظل يبكي طويلاً وهو مغمض العينين، تمنى أن لا يفتحهما إلا على رؤية وجه أبيه..
كان أبوه قد اصطحبه من العقبة إلى عمان.. إلى بيت جده هناك، ليقضي بعض عطلة الصيف.. ركبا سوياً في السيارة الجديدة الحمراء.. كان لونها حمراء كالدم.. اشتراها الوالد من منشئها حديثاً.. تغامز الناس كثيراً عليه وعليها.. آه سيارة جديدة.. من أين؟ يا لحظِّه الرائع.. متى سنحظى بمثلها؟ كانوا يعلمون أنه كدَّ كثيراً قبل أن يقدر على جمع ثمنها.. كان مُجِدَّاً وباذلاً.. كأن البعض تناسى ذلك..
عندما ودعه أبوه راجعاً إلى العقبة قبَّله ومضى.. كانت لحظة انطلاق سيارته الخاصة.. آخر اللحظات بينهما.. جلس الطفل على درجة باب البيت الخارجي.. ظل يرقب السيارة وهي تبتعد.. تلاشت سريعاً من أمام الناظرين الصغيرين اللذين تعلقا بها.. حدثته نفسه لو عاد مع أبيه، لماذا بقي دونه ودون عائلته.. لكنه سرعان ما أقنع ذاته بأن الفراق لن يطول، فهي مدة قصيرة.. سيتجاوزها سريعاً عندما يعود أبوه إلى بيت الجد بعد أقل من أسبوعين ليأخذه، وساعتها سيلتئم الود به..
جهز جميع من في البيت أنفسهم للسفر إلى العقبة من أجل مشاطرة العائلة أحزانها.. أما هو فلم يعبأ بشيء سوى الحزن والبكاء.. مرت أكثر من ثلاث ساعات حتى جاءت السيارة التي ستنقلهم.. صعدوا جميعاً.. كان جو المسير حاراً، وطالت الطريق كثيراً، وبدت وكأنها لن تنتهي.. لم يأكل شيئاً.. فقط استسلم للوجوم.. وصوت العجلات على الشارع غطى كل مساحات الصمت.. كانوا جميعاً ساكنين كأنما يستمعون لعزف صاخب استأثر بكل الانتباه.. لم يصحوا إلا على قول أحدهم: تقريباً الحادث وقع في هذه المنطقة.. شبَّ الطفل من مقعده كقطٍّ تأهب للدفاع عن نفسه.. فجأة قفز إلى شباك الباب الجانبي.. كان الكل يرقب المنطقة.. ينتظرون ليروا الحادث.. تجمدت العيون نحو زوايا الطريق.. وازداد هدير الأنفاس اللاهثة وراء حزن آت.. صورة الحادث ستجدد الحزن.. ستقتل الصمت.. لم ينبس أحد ببنت شفه.. ظلوا مشدودين كعصابة جرح نازف.. ها.. إنها السيارة.. هنا على اليمين.. قال أحدهم وأشار بيده كقائد حرب.. نظر الطفل بحدية.. نعم.. إنها سيارتنا.. سيارتنا الجديدة.. يا إلهي.. ماذا جرى؟ حالها فظيع.. إنها مدمرة.. أعرفها تماماً، وأحبها تماماً.. لقد كنت أجلس داخلها قبل أيام.. وهذي دماء.. دماء حمراء كلون السيارة.. لن تكون إلا دماء والدي.. والدي الحبيب.. ما أكبر حجم بقعة الدم.. ما أقسى حالي.. جال الطفل بخاطره حزناً وأسى، لكنه لم يتكلم.. تعلق بالنظر إلى الحادث كحبل مربوط بوتد مغروس في الأرض.. مضت السيارة في طريقها ولم تتوقف، ليتني أعود إلى سيارتنا فأتفحصها، لعلها لا تكون هي.. تأهب الطفل ليطلب ذلك.. لكنه توقف.. ارتد إلى نفسه.. واستحال الطلب إلى صمت متجدد.. كان همه أن يرى والده.. أن يطمئن عليه..
بعد أميال طويلة مملة.. وصلت السيارة مقص العقبة.. كان هبوب الحر التموزي يلفح الوجوه رغم أن الشمس كانت قد بدأت طريقها نحو الغروب.. شيئاً فشيئاً اقتربت السيارة من بيت الطفل.. عندها.. رأى مشهداً لن ُيمحى من ذاكرته على مر الأيام.. الناس أمام البيت متجمهرون.. كانوا قد وصلوا تواً من المقبرة.. انتهوا من تشييع والده قبل أن يصل.. هو لن يراه مجدداً.. لم يعلم أنه فقده إلى الأبد.. كان ينتظر وصوله إلى البيت بفارغ الصبر ليطمئن عليه.. ليفرغ شحنة عاطفته البليغة..
رأى مقاعد مرصوفة كتلك التي رآها في بيت جده وضعت بعناية على جوانب مساحة الأرض التي تقابل بيته.. ما زال جاهلاً لما تعنيه تلك المقاعد.. نزل مسرعاً من السيارة.. دخل البيت.. البيت مليء بالناس، نظر إلى قلب غرفة الضيافة، فيا لحزن ما رأى.. أمه تتوسط الناس.. تبكي مر البكاء.. كانت ترتدي ملابس حالكة كحلكة الليل.. ملابس سوداء أخفت عن عينيه قرص الشمس الذاهب للمغيب.. لم يكن يعلم ما يعنيه هذا اللون.. لم يكن يعلم حقيقة الخطب.. فقط.. كان في غاية الحزن.. ركض نحو أمه.. حضنها.. وقبلته.. تشبثت به، لكنه سرعان ما انتزع نفسه من بين يديها وعاود البكاء.. لم يرَ مَنْ حولها.. رغم كثرة الحاضرين لم يرَ أحداً.. خرج من بينهم يرقب والده.. يسأل عنه.. قال والدموع تنهمر من عينه كشلال.. أين أبي؟ فقالوا له……. مات !!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أدب | السمات:أدب
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























أبريل 30th, 2008 at 30 أبريل 2008 8:50 م
ما أجمل أن نرى صورة العلماء القدامي في علمائنا اليوم ، فقد عرفتك معلما ثم مدونا والآن أرى أديبا يحسن سرد الالم حتى أننا نعيش القصة بكامل وعينا
بارك الله لنا فيك وزادك علما وفقها ونفع الامة بك
مايو 7th, 2008 at 7 مايو 2008 6:41 ص
أشكر لك كلامك الطيب، وأشكر لك دعائك الرائع، أسأل الله تعالى التوفيق لكم ولي وللمسلمين جميعاً..
مايو 7th, 2008 at 7 مايو 2008 9:12 ص
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.اولا سيدي المحترم بشكرك كتير على المواضيع الحلوة الي كاتبها ونفتخر انو في استاذ كبير مثلك بيكتبلنا هيك مواضيع .وانا بتشرف بقرائة مواضيعك الحلوة كتير كتير
مايو 18th, 2008 at 18 مايو 2008 8:06 ص
الفاضلة رشيدة:
أهلاً وسهلاً بك، وحياك الله، وشكرا لكلماتك الجميلة..
وكما علمت فأنت من الجزائر، وقد لفتني وجود عائلة زيتون هناك، فتحية لك، ولكل العائلة، ويا مرحبا بكم أهلا وأخوة.
مايو 22nd, 2009 at 22 مايو 2009 5:54 م
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته-أخوكم أحمد وحبد زيتون من مصر-اود أن اتواصل مع أهلى ال زيتون الموجدين فى تونس والجزائر والمغرب -حيث أننى مهتم جدا لمعرفة أمكنهم و أعدادهم بالتقريب.
أحمد زيتون من مصر
Tel 002 012 3109943
مايو 31st, 2009 at 31 مايو 2009 5:56 م
حياك الله أخي أحمد
أنا في الأردن، مرحبا بك، ويسرني التواصل معك