ما أصعب الموت

نيسان 30th, 2008 كتبها د. منذر زيتون نشر في , أدب

حياة

 كان الوقت ضحىً، والشمس تتصعد إلى كبد السماء.. تنشر الضحك في يوم صيف جميل.. لم يعلم أن الحياة تخبئ له مفاجأة.. حزناً.. مأساة، ظن أن الحياة لا تعطي غير الجمال.. دخل إلى بيت جده والسرور قد عكس على وجهه صورة الفرح الغامر.. لكن سرعان ما فاجأه حال البيت.. حيَّره ما رأى.. أبواباً مفتحة كأنما تستعد لاستقبال قوافل زوار.. مقاعد كثيرة مرصوفة إلى بعضها كحجارة في جانب الطريق.. لم يبتعد كثيراً عقله الصغير.. تساءل فقط.. أهي دعوة الأحباب للغداء؟ وردَّ صدى باطنه اليقظ: وأي دعوة هذه! أكل هذه المقاعد للغداء؟! لم ينشغل أكثر، فالأمر ليس من اختصاصه.. ماله ومال التفكير بتلكم الأمور.. أياً يكن الأمر فليس من شأنه.. إنه يريد أن يلعب، أن يملأ وقته بالبسمات..

كان طفلاً.. لم يخرج بعد من دائرة الأحلام.. لم يكمل العاشرة من عمره.. نشأ على الحب والحنان.. عاطفته يقظة فوارة.. والله تعالى أرسى في نفسه الطمأنينة.. رغم صغره  كان مختلفاً عن أقرانه الأطفال.. كان متعلقاً بحب الإله.. عجباً.. رغم صغره يلبي نداء الصلاة، عندما كان يسمع الآذان كانت نفسه تخضع لخشوع جميل.. الكبار لم يحظوا به.. أما هو فمختلف، كان الناس يرقبونه في ذهابه إلى المسجد كشيخ جليل.. لكنه ما زال طفلاً.. الله هاديه.. هكذا كانوا يقولون..

أراد في ذلك اليوم أن يلهو متناسياً حال البيت المقلوب عجباً.. لكنه لم يستطع.. شعر كأنه مقيداً محبوساً.. بعض مَْن تبقى في البيت كان ساكناً كتلك المقاعد المنتظِرة زوارَها.. ما بالهم؟  في الأمر مفاجأة! لماذا هم واجمون؟  كانت أسئلة كثيرة تثور في داخله لم يلقَ إجابة لها.. التزم الصمت كغيره.. لم يعرف ما عرفوه لكن صمتهم ألزمه فصار مثلهم.. جلس إلى أحد المقاعد المنزوية هادئاً كعجوز مسن.. تذكر كيف ضحك هو ومن معه من الأطفال في صباح هذا اليوم.. ضحكوا كثيراً أثناء مجيئهم إلى البيت.. تلك الحافلة التي أقلتهم كانت كرواية ساخرة.. اهتزت كثيراً أثناء الطريق.. وتعطلت كثيراً.. كانت تجر نفسها كطفل يتعلم المشي.. لم تكن لتقوى على مسايرة غيرها من الحافلات.. وعندما تجاوزت عربةً يجرها حمار انغمس الأطفال في ضحك عميق.. ها.. إنها تقوى على مسابقة الحمير.. إنها حافلة قوية!

عندما عادت مخيلته إلى تلك الأحداث الصباحية الساخرة أراد أن يضحك من جديد.. لكنه تفاجأ بقرب أحدهم إلى جانبه.. كان خاله.. قطع عليه الصمت والتذكار.. جاء إليه بكأس عصير..  قال له بنبرات متثاقلة عطوفة: اشرب ليمناضه.. نظر الطفل إلى الرجل نظرة تملؤها الحيرة.. ظهر الخطاب ودوداً أكثر مما يكون في العادة.. كان وداً يخفي وراءه شيئاً ما.. هكذا بدا.. زاده الأمر توجساً.. ما المناسبة، لماذا هذا العطف الزائد؟ أمس

المزيد